أنواع الصدمات من جهة ذاتها

من حيث (القوة) و (النوع) و (التأثير)و (المضمون) فهناك الصدمة القويةالمزلزلة التي تقلب موازين المصدوم, وتغير في المستوى العميق اعتقاداته وقناعاته؛ إنها تشبه الزلزال العظيم الذي يغير ملامح الأرض ويجعل عاليها سافلها, أو كالبركان الضخم الذي يجتاح بحممه كل ما يمر عليه, ويملأ الفضاء دخاناً وغباراً, وهذا النوع من الصدمات يشكل انقلاباً كاملاً في حياة الشخص الذي يتعرض للصدمة, بغض النظر عن نوعية الصدمة من حيث إيجابيتها أو سلبيتها.
هذا النوع من الصدمات العميقة القوية تحدث انزياحاً كبيراً عند الشخص المصدوم, وتوجد تبدلاً عظيماً في قيمه وموازينه وعلاقاته, وفي مظهره ومخبره, وتطلعاته المستقبلية.
وهناك– بالمقابل –الصدمةالضعيفة التي قد تحدث عند المصدوم اهتزازاً قليلاً وشيئاً من الارتباك, وتوجد نوعاً من الدهشة المؤقتة, وقد تؤدي إلى تغيير يسير في حياته أو قناعاته, وقد لا تؤدي إلا إلى تغيير مؤقت, وأحيانا يكون أثرها في دائرة محدودة لا تكاد تتجاوز السطح.
وبين هذين النوعين من الصدمات درجات متفاوتة من حيث القوة والضعف؛ تؤدي إلى تفاوت في الأثر.
وتختلف الصدمات كذلك من جهة إيجابيتها وسلبيتها, فالصدمة التي تؤدي إلى تغيير جيد في حياة الإنسان هي الصدمة النافعة والتي تنقل المصدوم من حال سيء إلى حال أصلح, بحيث تظهر الآثار الإيجابية في شخصه وعلاقاته وأعماله وتتضح معالم التوفيق والربح في حياته, ومن أمثلة ذلك قصة إسلام الصحابي الجليل جبير من مطعم بن عدي الذي كان مشركاً معانداً للإسلام مسايراً لقومه قريش في ذلك, ولما أُسر بعض كفار مكة في معركة بدر جاء من مكة ليفتدي بعضهم بالمال، فحدثت له صدمة إيجابية لما سمع القرآن وبراهينه جعلته يفيق من غفلة الجاهلية, وقد روى ذلك فقال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أهل بدر, فسمعته يقرأ في المغرب بالطور, فكأنما تصدَّع قلبي حين سمعت القرآن)( )
وأصل هذا الخبر في صحيح البخاري ونصه:
(سَمِعتُ النَبِيَّ صَلَّى الله عِلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُورِ, فلما بلغ هذه الآية:{أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَأَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المسيطرون}كَادَ قَلبِي أَنَ يَطِيرَ)( ).
أما الصدمة التي تؤدي إلى تغيير سيئ في حياة الإنسان فهي الصدمة الضارة السلبية التي هي نقلة إلى حال من الشقاء والفساد والانحراف , تظهر آثارها في صفات المصدوم وأعماله وأقواله وآثاره وعلاقاته, وأبشع وأشنع ما يكون ذلك عند المسلمين في الردة عن الدين عياذا بالله تعالى, كما حصل لعبيد الله بن جحش الذي أسلم وهاجر إلى الحبشة ثم ارتد( ) وصار نصرانيا وفارقته زوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنهاومات على نصرانيته وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وأصدقها النجاشي أربع مئة دينار.
وكما حصل لعبدالله بن خطل الذي ارتد عن الإسلام ورجع إلى مكة واتخذ جاريتين تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله( ).
وقد لا تصل الصدمة السلبية إلى هذه الدرجة من الشناعة في الانحراف بل قد تكون أقل من ذلك من حيث سلبيتها, ولكنها تبقى مع ذلك في إطار الحد السلبي للصدمات السلبية.
على أن معظم المصابين بالصدمات من أبناء المسلمين اليوم هم-للأسف- من هذا القسم فبعضهم أعلن ردته بشتم الدين أو المقدسات, وبعضهم يشكك في دين الله في أحكامه وأخباره, وبعضهم يفضل أخلاق الفجور والانحراف على أخلاق الإسلام, وبعضهم يتخذ المذاهب والمناهج الضالة معياراً ومنهاجاً للحق والباطل, وبعضهم ينتمي عضويا إلى مؤسسات ودول تحارب الإسلام والمسلمين, ثم لا يفتأ كل هؤلاء بعد كل هذه الشناعات أن يتخذوا الإسلام جُنَّة يحتمونبه مما يلحق بهم من أوصاف أو أحكام.
بيد أنه مما ينبغي الإشارة إليه هنا أن الصدمة الحضارية التي أصابت كثيراً من أبناء البلاد الإسلامية في بداية الاحتكاك بالغرب, وسلبت ألبابهم؛وألقتهم صرعى التبعية, وتحولوا بسبب ذلك إلى ناقمين على الأمة الإسلامية وحضارتها وثقافتها وتراثها وتاريخها, هذه الفترة ذهبت و ربما خفّت حدتها،فلم تعد تلك الصدمة ذات أثر كبير كما كانت أول مرة؛ بعد أن تمكن المسلمون من فهم آليات الصراع, والحصول على كفاءات تقنية وعلمية، والمزاحمة في ميادين عديدة, وإن كان ذلك لا ينفي وجود مجموعة من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حيث لا تزال الصدمات تعبث بهم. وكما تغيرت أسباب الصدمات فقد تغير تبعا لذلك أنواعها, وكذلك فإن طرائقها قد تبدلت وأساليبها قد تنوعت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى