أنواع الصدمات من حيث المدة

كما أن الصدمات تختلف من جهة ذاتها فإنها تختلف أيضا من جهة امتداد أثرها، وهذا في الجملة ينقسم إلى قسمين:
1 – صدمة مؤقتة قصيرة المدى
ويدخل تحت هذا القسم الصدمات المعارضة والمؤقتة, وتلك التي تأتي من جراء سبب أوحدث عارض كانتقال الإنسان من بلده وبيئته وثقافته إلى بلد آخر مغاير لما عاش عليه, وما عهده في حياته.
وقد تحدّث عن ذلك مجموعة من المربيين الموجهين, والمرشدين النفسيين والاجتماعيين, ووجدت في المواقع كلاماً مكرراً أو منسوخاً بعضه من بعض, بحيث يعسر معرفة المصدر الأصل لذلك الكلام الجيد المعبر عن حالة الصدمة المؤقتة أو قصيرة المدى التي أضرب بها مثلا لهذا النوع من الصدمات؛ ولذلك سألخص هذا القول مشيراً إلى مصدر واحد يغلب على الظن أنه هو الأصل:
يخاطب المستشار النفسي الطالب المغترب قائلاً:
(الابن العزيز:
لا شك أن غربتك في بلد يختلف عن بلدك في المناخ والثقافة وفي اللغة من الأمور التي ساعدت على شعورك أو بالأحرى ضخمت شعورك بالإحباط والقلق بل والاكتئاب؛ إذ أن للسفر بصفة عامة وللابتعاث بصفة خاصة فوائد جمة, منها التعرف على ثقافات جديدة واكتساب خبرات اجتماعية لم تكن لتكتسبها وأنت قابع في بلدك, إضافة إلى العلم الذي سافرت من أجل تحصيله, وبالطبع فإن هذه الفوائد لها أيضا ضريبة وثمن واجب الأداء, ومن هذه الضرائب المستحقة ما أصطلح على تسميته بالصدمة الحضارية (Culture Shock) الذي عرفها عالم الإنسانيات كالفيروأوبيرغ بأنها:((إحساس نفسي وجسدي بالتوتر والقلق والشعور بالضياع لمن يرحل من المنطقة التي عاش فيها طوال عمره إلى منطقة أو دولة تتميز بعادات وتقاليد وجوٍ مختلف ومغاير تماما لتلك التي تعود عليها)).
وبالرغم من المعرفة المسبقة بهذه الصدمة أو توقع حدوثها فإن ذلك (قد) يخفف منها على الإنسان ولكنه سيمر بكل مراحلها تقريبا, ويشعر بالألم الذي يشعر به من لا يعرفها مسبقاً ولكن ربما بشكل أقل حدة.
ومهما قيل عن هذه الظاهرة, ومهما كان وقعها, فمن شبه المتفق عليه أنها ظاهرة طبيعية أي أنها لا تدخل في قائمة الأمراض أو الاضطرابات أو المتلازمات النفسية أو الجسدية, وتَحْدُث هذه الظاهرة بغض النظر عن المكان أو الخلفية الحضارية الذي أتى منه الإنسان, وعن المكان أو الحضارة التي اتجه إليها, بل قد تَحْدُث ظاهرة الصدمة الحضارية, وبنفس الشدة أو أخف أحيانا, حتى لو كان هناك تشابه بين المكانين.
ومن المعلوم أن هذه الظاهرة تحدث بين المسافرين إلى بلد بعيد لغرض العمل أو الدراسة, وتزداد شدة الأعراض وطول مدتها عندما يترك المسافر أهله وأحباءه ولا يكونون معه في هذه الأوضاع, وتكون الأعراض أكثر تأثيراًحينما ينعزل تماما في المحيط الجديد؛ ليكون في محيط غريب عليه تماماً, خاصة إذا ما قطن في منطقة تخلو من أفراد الجالية التي ينتمي لها في الأساس.
وهناك العديد من العوامل التي تساهم في حدوث الصدمة الحضارية أو تزيد من حدتها منها:
1- الجو: فعندما ينتقل الإنسان من بلد حار بطبيعته إلى بلد يتسم مناخه بالبرودة, أو لدرجة تصل لأقل من درجات التجمد ونزول الثلج, فإن من الصعب التعود على ذلك خاصة لمن يواجه هذا الأمر لأول مرة في حياته.
2- اللغة: وهي من أهم العوامل في الإصابة بالصدمة الحضارية وشدتها أيضا, فالجهل باللغة هو في حد ذاته عزلة, حتى عند الاختلاط بالبشر في البيئة الجديدة, فقد يعاني الطالب أو المهاجرعزلة مؤلمة جداً؛ فلا أحد ينكر أن اللغة هي تقريباً أهم عوامل التواصل والتأقلم.
3- الملابس: وبالذات لو كانت تتعارض أو تختلف كثيرا عما تعود الإنسان على رؤيتها في بيئته التي تربى فيها, أو كانت تلزمه بارتداء ما لم يتعود عليه كالملابس الشتوية في البلدان الباردة جدا, حيث يصعب على الطالب المبتعث في البداية اختيار الملابس المناسبة.
4- العادات والتقاليد والقيم: التي تختلف كثيراً من بلد لآخر, هي الأخرى من العوامل المهمة في الصدمة الحضارية, بل هي من الأجزاء الأساسية في الموضوع,فبعض السلوكيات الجديدة التي يراها المهاجر أو الطالب المبتعث قد تصيبه بالدهشة أو يراها مستهجنة أو مهينة له وإن صدرت بشكل عفوي من المواطنين في البلد الذي قصده,وقد يضخّم بعض الأمور البسيطة, ويأخذها على أنها موجهة إلى شخصه هو, أو يعتقد أنه مُحْتَقر من الآخرين مثلا لو لاحظ في الشارع أن الآخرين في عجلة من أمرهم ولم يعطوه العناية الكافية عندما يسأل عن شيء أو مكان ما,وقد يجد الناس هناك يعاملونه ببرود شديد أو باقصائية, خاصة عندما يسكن في مدينة كبيرة جدا, وهو أتي من خلفية قروية أو ريفية حميمة.
والعلاقات بين الجنسين قد تكون مختلفة تماما وبشكل يبعث على الدهشة بالنسبة للمهاجر, وهذا عامل مهم جدا أيضا, كما قد يصطدم المغترب باختلافات في نظم الحياة في البلد الذي قصده, ومن أمثلة ذلك طرق تنظيم المواعيد ودقتها والصرامة فيها.
5- القوانين والأنظمة: والخوف الذي يسيطر على المغترب من هذه القوانين كبير جدا؛ حيث إنه يجهلها من ناحية, ومن ناحية أخرى لا يدرك كيف يتصرف عندما تحدث المشكلة. قد يتورط فيما لم يحسب له حسابا البتة, وكأنه سلوك عادي في بلده, بينما هو مخالف للقوانين وبشدة في البلد الجديد, كما أن المغترب يجهل حقوقه التي تحميه أيضا, فقد يأتي من بلد لا يحظى فيه بنوع من الحماية, أو ذات مستويات مختلفة تماما.
6- الطعام والشراب: سواء من ناحية النوع أو طريقة الإعداد والتقديم والأسعار …الخ. كما أن المغترب المستجد قد يعاني من اضطرابات صحية في بداية تواجده هناك,وقد يعاني كثيرا في إيجاد مطاعم تقدم له طعاما تعوّد عليه في موطنه,والبعض قد يجد صعوبة في إيجاد أطعمة تتفق مع أحكام الشريعة, مثل تلك الأطعمة الخالية من النبيذ أو لحم أو دهن الخنزير… الخ.!
7- القيم والمفاهيم: قد يصطدم المغترب بأن سكان الدولة التي ذهب إليها يؤمنون بقيم إما تعاكس قيمه هو بشكل كامل, أو بعيدة عنها, أو يعبرون عنها بطريقة مختلفة,وقد يجد أنهم لا يضعون أهمية أو وزنا لبعض القيم التي قد تكون مقدسة عنده, أو من ضمن منظومة معتقداته).
هذه مجموعة عوامل ذكرها الكاتب تسهم في حدوث الصدمة, ثم أعقب ذلك بذكر مجموعة مما سماه (الأعراض العامة للصدمة الحضارية) ومنها:
1- الشعور بالوحدة والحزن.
2- الانشغال بالصحة الجسدية.
3- آلام عامة في الجسم والصداع المتكرر.
4- اضطرابات في النوم: رغبة في النوم الكثير, أو انعدام الرغبة في النوم لفترات قصيرة ومتقطعة.
5- اضطراب الإحساس بالهوية.
6- انعدام الثقة في النفس
7- ظهور أعراض وسواسية أو سلوكية جديدة لم تكن موجودة أصلا, مثل الحرص الشديد على النظافة والترتيب.
8- الرغبة في التبتل, أو المثالية الزائدة مؤقتا.
9- الشوق الشديد للأسرة والأطفال وللأقارب عموما)
وبعد ذكره لهذه الأعراض أشار الكاتب إلى مراحل الصدمة الحضارية التي يمكن تسميتها المؤقتة فقال:
(تمر هذه الأعراض بخمس مراحل هي:
1- مرحلة شهر العسل: (Honeymoon stage) وهي في بداية الأمر عبارة عن مرحلة الانبهار بالبلد والبيئة الجديدة, والعادات والتقاليد الجديدة على الإنسان المهاجر أو الطالب المبتعث؛ مليئة بالفضول وحب الاستطلاع, وقد يبني في نفسه أحكاما مبالغا فيها عن مثالية المجتمع الجديد أو سوئه, في هذه المرحلة لا يزال الإنسان محتفظا بزخم نفسي وذكرياته في موطنه ما يكفي لتشكيل حماية له من الاضطراب النفسي أو الشعور بالضيق, كما أن مرحلة الفرح والبهجة والأشياء الجديدة وحب الاستطلاع تلهي الإنسان المغترب كثيرا عن أقاربه وأصدقائه, والإحساس بفقدهم, أو البعد عنهم. في هذه المرحلة لا يشعر المغترب بأن الفروق بين المجتمعين شيئا سيئا, بل يعده قفزة مهمة في حياته, وأنه سيحقق الكثير في البلاد التي وصل إليها, تستمر هذه المرحلة لوقت قصير نسبيا (قد تصل لعدة أسابيع) وقد لا يزيد عن أيام معدودة,والبعض يشبه هذه المرحلة بمرحلة الحضانة التي تمر بين دخول الجرثومة لجسم الإنسان وبين ظهور أعراض المرض.
2- مرحلة الضيق (الضغط) النفسي: (Distress Stage) في هذه المرحلة, يبدأ المغترب بالشعور بأن الفروق الكثيرة بين مجتمعه الذي تربى فيه والمجتمع الجديد بأنها عبء كبير, حيث يبدأ بإدراك أن هذه الفروق الكثيرة تصطدم مع معتقداته وقيمه,ويشعر المغترب الجديد أيضا بالحيرة الشديدة نتيجة التصادم بين القيم والعادات, وتبدأ معاناته في التأثير فيه بشكل أكبر حينما تبدأ العزلة, وتصيبه حالات الغضب والإحباط, وتزداد هذه الأمور حدة حينما يمر بظروف مثل أن يتكلم معه شخص أجنبي ولا يفهمه أو لا يستطيع إفهامه شيئا ما,وقد يشعر الإنسان في هذه المرحلة بحالة من الشعور بعد الكفاءة, أو أنه فاشل ولا يستطيع إكمال مشواره, ويسأل المغترب نفسه كثيرا: ماذا أفعل هنا في هذا المكان؟ وفي أواخر هذه المرحلة تبدأ عملية التأقلم مع المجتمع الجديد ولكن العملية تكون مؤلمة أكثر منها ممتعة أو شيقة.
3- مرحلة التكامل والاندماج: (Re-Integration Stage) يعود المغترب إلى قيمه التي اختزنها من قبل, ويقدرها بشكل أفضل, ويشعر بالرضا عنها, ويشعر أيضا بقبوله لنفسه,وقد يشعر بالغضب تجاه القيم الجديدة, أو عدم الرضا عنها, وينتقدها كثيرا.
4- مرحلة السيطرة والاستقلالية: (Autonomy Stage) يبدأ الإنسان بتقييم الأمور بشكل أفضل ويبدأ بالشعور بالراحة والاسترخاء, ويتم تفهّم الاختلافات والمتشابهات بين المجتمعين (القديم والجديد) بشكل أجود من ذي قبل, بعيدا عن سوء الحكم على الأمور نتيجة عواطف متشنجة أو قلقة أو غير مستقرة الهوية.
5- مرحلة الاستقلالية الكاملة: (Independence Stage) يشعر المغترب بالثقة في النفس في أغلب ما يواجهه من مشاكل أو مهام, ويستطيع إصدار الأحكام والقرارات الشخصية والعملية بشكل أفضل, وهنا يستغل الفرد تراكم خبرته الجديدة في المجتمع الجديد.
ورغم أن الصدمة الحضارية– المذكورة آنفاً – هي أمر طبيعي جدا وليست مرضا, إلا أن قسوة بعض مراحلها مع توافر عوامل أخرى مثل طبيعة الشخصية وغياب الدعم أو حصول مشاكل بسيطة في الغربة كاتخاذ قرارات خاطئة أو التورط في مشاكل قانونية .. الخ! تزيد من معاناة المغترب.)
ثمقدم الكاتب مجموعة من الإرشادات للتعامل مع حالة الصدمة المؤقتة هذه للتخفيف من حدتها.