المرجعية الوثنية:

نظراً لتعدد الأديان الوثنية واختلافاتها الواضحة فيما بينها، فإن من العسير وضع تعريف شامل يضم كل الأديان، غير أنه بالرغم من ذلك توجد مجموعة من المفاهيم المشتركة التي يمكن بناءً عليها وضع وصف تقريبي للمرجعيات الوثنية، وخاصة الأديان الوثنية المنتشرة في هذا العصر( ) وقد اختُلف في تحديد معنى (الوثنية).

فمنهم من خصها بمن يعبد الأوثان مع اعترافهم بوجود الله الواحد الخالق ليتوصلوا بعبادتها إلى الله تعالى.

وعلى هذا المعنى درج كثير من علماء الإسلام كما هو موجود في كتب التفسير عند قوله تعالى (إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً) وذلك على أصل الإطلاق عند مجيء الإسلام، فقد كان كفار العرب الذين بعث فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يؤمنون بوجود الله وأنه خالق قادر ويستحق أن يعبد ويدعى ولكنهم مع ذلك اتخذوا (الأوثان) آلهة معه لتقربهم إلى الله، وليتوصلوا من خلال عبادتها ودعائها إلى ما يريدون من الله ولذلك سموا وثنيين بهذا الاعتبار.

ثم أصبح لفظ الوثنية يشمل كل طائفة تقول بتعدد الآلهة وإن ميزت بينها في الصفات الإلهية التي تنسبها لها.

وأحيانا يطلقه بعض النصارى على الناس الذين لم تصلهم الدعاية الدينية النصرانية وهو إطلاق متحيز وغير علمي ولا منطقي، وفي الدراسات الحديثة اعتبرت الوثنية هي: تلك الذهنية البدائية التي تشخص العناصر والأشياء والجمادات وتجعل لها قوى معينة وتنسب لها صفات مؤثرة تجعلها مقدسة.

ولعل هذا المعنى هو الأوسع دلالة، والأنسب لما نحن بصدده هنا، وعليه فالمرجعية الوثنية هي:
[الإقرار بإله أو عدة آلهة وضعية حلولية، لها قداسة، وتمتلك صفات وقدرات عظيمة وإن كانت متفاوتة، ولها حقوق عبادية وأخلاقية وتشريعية ملزمة غيباً وشهادة، ضمن المسار اللانهائي لهذه الحياة].

هذه المرجعية التقريبية للأديان الوثنية، هي وإن لم تكن في صياغتها جامعة مانعة (بسبب التفاوت بين الأديان الوثنية) إلا أنها في الوقت ذاته تشخص أهم المفاهيم الوثنية.

فالأصل في جميع الوثنيات أنها (أديان وضعية) وضعها بعض أذكياء الناس، ورسم خطوطها الأولى ثم تطورت وتحولت مع الأزمان، وحتى على افتراض صحة ما يقال من أن بعض الديانات الوثنية ذات أصل سماوي، فإنها في الواقع الراهن ليست سوى أديان وثنية وضعية، فضلاً عن أن دعوى كون أصل تلك الأديان سماوية لا دليل عليه إلا مجرد الاستنباط من بعض التعاليم الخلقية والتشريعية، وهذا غير كاف في إثبات هذه الدعوى.
ومما تختص به الديانات الوثنية تعدد الآلهة، حتى وإن وجد إله واحد هو أكبر الآلهة، بل حتى وإن كان بعضهم يقر بوجود إله في السماء، وهذه التعددية الإلهية سمة أساسية في معظم الديانات الوثنية القديمة والحديثة من عهد اليونان والفراعنة وحتى هذا العصر، يضاف إلى ذلك أن هذه الآلهة المؤلهة تمتاز بالحلولية، إما من جهة زعم بعضهم إن الإله الذي في السماء (سبحانه وتعالى) قد حل في إلههم الأرضي (الوثن) أو أن الإله الأكبر عندهم حل في الآلهة التي دونه، وهذا ما يمكن تسميته بالحلولية الخاصة، وهناك حلولية وثنية عامة، ومثالها في الطاوية التي يقول أصحابها بأن طاو هو المطلق الكائن، وهو مراد الكون، وهو ليس منفصلاً عن الكون بل هو داخل فيه دخولاً جوهرياً انبثقت عنه جميع الموجودات حتى أصبح الوجود واحداً، وصار الخالق والمخلوق شيئاً واحداً لا تنفصل أجزاؤه وإلا لاقى الفناء) ويوجد نحو هذا في الهندوسية.

أما البوذية فهي قريبة من النصرانية في هذا الأصل، فقد زعموا أن بوذا هو ابن الله وهو المخلص للبشرية ويتحمل جميع خطاياهم، وأن تجسد بوذا قد تم بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا.

وهكذا نرى أن الحلولية والتعددية سمتان بارزتان في المرجعية الوثنية، وقد كانت كذلك حتى في الوثنية اليونانية، مما جعل بعض الكتاب المحاكين للغرب يشيدون بالتعددية الوثنية باعتبارها أساساً للتعددية الفكرية والسياسية، في حين أن التوحيد في اعتبارهم أساس للتعصب والتخلف والرجعية كما أن المفهوم الحلولي الوثني انتقل إلى اليهودية في بعض طبقاتها وأصبحت الحلولية ووحدة الوجود جزءاً رئيسياً من الفكر المادي الغربي اليوم وأضحت الحلولية المادية المرجعية شمولية يؤكد أصحابها أنها علة الحياة ، ويؤمنون بأبدية المادة وبتلقائية تكاثر الحياة .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى