مؤثر القوة والغلبة

سبق الإلماح في المؤثر الحضاري إلى الصدمة الحضارية التي حدثت بسببالتقاء العالم الإسلامي بالتأثيرات الأوروبية الغربية في أوائل القرن الماضي, ثم التحولات التي أعقبت ذلك,ومن أهمهاحدوثأزمةثقة بالتراث العربي الإسلامي, أو بالصورة التي كان يقدم بها للناس, وترسخ ذلك بعد الهزائم المتتالية التي لحقت بالمسلمين في ميادين الصراع المختلفة ثم في ميدان الصراع مع الاستخراب (الاستعمار) ثم مع الهيمنة الغربية (الإمبريالية) وربيتها الصهيونية التي زرعت بالقوة في قلب العالم الإسلامي, يضاف إلى ذلك الإحباطات الكثيفة التي يحس بها عموم الناس, وخاصة فئة الشباب, وبالأخص المثقف منهم؛ تلك الإحباطات الناتجة عن التخلف الفكري والاقتصادي والسياسي والإداري والتعليمي قياسا بدول العالم المهيمنة التي ما فتئت بدورها تمارس أنواع الهيمنة الناعمة والقاسية, وتسعى في تكريس التبعية والضعف, وتوسع الهوة بينها وبين العالم العربي والإسلامي؛ مما أنتج أنواعا من الأزمات المزمنة, خاصة أزمة الهوية في جوانبها المتعددة, والتي ولدت بدورها جملة من الإحباطات والصدمات, وأورثت تغييرات عميقة على مستويات عدة, هي في مجملها تغييرات لصالح الإلحاق والتبعية للقوى الغالبة, بدءاً بالفرنسيين أيام محمد علي، ثم الانجليز والإيطاليين، مرورا بقطبي الصراع روسيا الاشتراكية وأمريكا الرأسمالية, وانتهاء بالقوة الأحادية اليوم, المتمثلة في أمريكا الليبرالية ذات القوة العولمية الضارية.
لقد كانت معظم النخب الفكرية والإدارية (عسكرية أو مدنية) يعيشون حالة غلبة نفسية عميقة أمام القوى الغربية المتنامية في قوتها, والمتسارعة في نموها, مما أدى إلى مجموعة كبيرة من الصدمات التي أورثت – في غالب الأحيان- أنماطا من التبعية والإذعان, أو محاولة التكيف والتعايش على قاعدة المسايرة والالتحاق , كما أورثت أنماطا أخرى من المقاومة أو الممانعة ،أو الانتقاء الذي يمكن أن يسمى بعبارة أخرىالتفاعل الإيجابي, وهو وإن كان الموقف الأقل شيوعا إلا أنه أبقى في الأمة جذوة لا تفتأ تزداد على رغم وجود حالات الهزائم والمنهزمين.
إن عامل القوة لا يتمثل في الجانب العسكري, وإن كان هو أكثرها وضوحا, إلا أن يتجلى في عوامل أخرى, حاول الغرب من خلالها أن يجعل الأمة تعيش في معاناة الصدمات المتلاحقة والاحباطات المتتالية, ومن تلك العوامل التغوّل السياسي على مستوى النفوذ داخل البلدان وسياساتها وسياسييها،وهو ما يعبر عنه بلفظ(الإمبريالية), وأيضاعلى مستوى ما يعرف بالمؤسسات الدولية الخاضعة لمبدأ (حق القوة) المتسرب من فلسفات مادية عديدة أظهرها فلسفة نيتشه (1844 – 1900) المتمثلة في فكرة الإنسان المتفوق والقوي,والتي هي سليلة فرضية داروين (1809 – 1882) التي سماها الانتخاب الطبيعي.
كما يتجلى عامل القوة والغلبة في السبق التقني وثورة الإنتاج الهائلة في مقابل الضعف والبطء والعجز في الدول النامية,مما رسخ المزيد من الارتباك وصعوبة التحديث وسوء التكيف وأدى إلى اتساع الهوة التي تفصل بين الدول النامية والدول المتقدمة تقنيا.
وحتى البلدان التي حاولت أن تبدأ بعمليات تحديث منذ ما يزيد على قرن من الزمن إلا أنها لم تفلح في ذلك؛ بسبب ظروف وملابسات عديدة, معظمها داخلي وبعضها خارجي, في حين أن دولا أخرى مثل كوريا التي حاولت متأخرا فلحقت وتوشك أن تنافس, والهند قادمة على الطريق.
وحتى عندما حدث فجأة اكتشاف البترول في بعض البلدان العربية والإسلامية, وتهيأت الفرصة لتلك الدول أن تبدأ رحلتها مع النهضة والتحديث, إلا أن الأمر لم يأت على حسب المتوقع, فقد وجدت تلك الدول نفسها ذات قوة مالية كبيرة, ومخزون هائل من الثروات, جعلها محل أطماع الطامعين وتنافس القوى الغربية والشرقية, وتحولت– في الجملة – إلى معرض ضخم للاستهلاك على مستوى السلع الاستعمالية أو الأسلحة وزيادة معدلات الترف, على حساب الصناعات والإنجازات التي كان من الممكن أن تجعلها قريبة من ماليزيا وكوريا, بل ربما أفضل منها, وبذلك تحولت الثروات النفطية وعائداتها من مصدر قوة يمكن من خلالها تحصيل مطالب النمو الحضاري والنهضة والتقدم والقوة لتصح ضرباً من النسق الاستهلاكي أو الخدماتي في أحسن الأحوال, حتى لقد عبر أحد الكتاب عن ذلك بقوله (إن في الخليج العربي آبارا, تخرج منها الثورات والصدمات في وقت واحد. الصدمات اجتماعية ونفسية وفكرية وخلقية)( )
وفي جانب آخر– وحتى قبل ظهور النفط- يتحدث كتاب (صدمة الاحتكاك) عن الإرساليات التنصيرية على الخليج والجزيرة العربية عبر الأطباء المنصّرين منذ عام 1885م, وفيه وصف لحالات الصدمة الهائلة التي هزت الناس آنذاك؛ بما جلبه الأطباء المنصرون معهم من أدوات ومصنوعات وأدوية, وكان الهدف هو نشر النصرانية في الخليج العربي والجزيرة العربية التي اختارها القس الموجّه والمحرّض( ) وعبر عن سبب اختياره بقوله: (إن من بين الدوافع إلى العمل في المنطقة, الأسباب التاريخية, فللمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية, التي أكدت الدلائل التي تجمعت لدينا, في الخمسين سنة الأخيرة أن المسيحية كانت منتشرة فيها في بداية عهدها)( ).
وتحدث منصّر آخر( )عن الهدف من اختيار منطقة الجزيرة العربية والخليج, وعن السبب الذي جاء بهم فقال: (لقد أُرسلنا لا للوعظ الاجتماعي ولكن للخلاص, لا للحديث عن الاقتصاد بل للتبشير, لا للتقدم بل للصفح, لا للنظام الاجتماعي الجديد, بل للمولد الجديد, لا للثورة بل للانبعاث الروحي, لا للتجديد بل للإحياء, لا للإنعاش بل للبعث, لا للتنظيم الجديد بل للخلق الجديد, لا للديمقراطية بل للإنجيل, لا للحضارة بل للمسيح, إننا سفراء ولسنا سياسيين)( ).
إنه ومنذ البدايات حركة منطلقة بنظرية حق القوة والغلبة والسيطرة, وليس بمنطق قوة الحق والحقيقة والحجة والبرهان والاستحقاق, ومما زاد في تعاظم تبعات ذلك,أن منطق القوة هذا وما يحمله معه من صدمات كبيرة لم يواجه أمامه سوى القابلية لذلك إلا فيما ندر من أحوال وشخصيات أدركت أبعاد ما يحدث وحاولتأن تفعل شيئاً.
لقد أدرك محمد أسد( ) (ليبولدفايبس سابقا) مبكرا وببصيرة نافذة الوطأة التي تحدثها صدمات القوة والغلبة الغربية على العالم الإسلامي, وشاهد ذلك, وشهد على ما كان يحدث وهو النمساوي النشأة اليهودي الأصل, وعبر عن عمق هذه الحقيقة في سنة 1932 وهو يتحدث عن رحلته داخل الجزيرة العربية بمعية دليله البدوي زيد, وكانت الجزيرة آنذاك في عزلة شبه تامة عن العالم, وأهلها متمسكون بتقاليد عربية وإسلامية, وفي حالة أشبه بالماضي التليد منها بالحاضر الجديد الذي لم يصل إلى أعماق هذه الصحارى, وأهلها الذين لم يتحقق لهم التقدم المادي بالسرعة التي تحققت للإنسان الغربي, ولكن ذلك أبقى على التماسك الروحي والتفوق القيمي لإنسان الجزيرة العربية, ومع ذلك فإن محمد أسد كان يتوقع حدوث الصدمة وانكسار جدار العزلة, وزحف الأساليب الغربية التي سيكون لها الأثر الأكبر في ضعف تلك الميزة المتمثلة في التماسك الروحي والقيمي, يقول محمد أسد:
(وعندما وصلت بتفكيري إلى ذلك الحد سألت نفسي فجأة: إلى متى يستطيع زيد وقوم زيد أن يحتفظوا بتماسكهم الروحي في وجه الخطر الذي يطبق عليهم بكثير من الخداع والمكر, وبصورة لا تعرف الرحمة أو اللين؟ نحن نعيش في زمن لم يعد الشرق فيه يستطيع أن يبقى ساكنا سلبيا في وجه الغرب الآخذ بالاطباق عليه. إن آلافاً من القوى – السياسية والاجتماعية والاقتصادية- تطرق أبواب العالم الإسلامي, فهل يخضع هذا العالم ويستسلم إلى حضارة الغرب ويفقد خلال التفاعل, لا أشكاله وأنظمته التقليدية فسحب بل جذوره الروحية أيضاً؟
طوال السنين التي قضيتها في الشرق الأوسط – غريبا أعطف على شعوبه من عام 1922 إلى عام 1926, ومسلما أشاطر أهداف المجتمع الإسلامي وآماله, منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا- شهدت الجور الأوروبي الثابت على الشعوب الإسلامية كما شهدت كيف يحاول الأوروبيون تبرير هذا الجور, وكلما حاول المسلمون أن يدرأوا عن أنفسهم هذا الجور, فإن الرأي العام الأوروبي بشعور مصطنع من البراءة, يعزو هذه المقاومة إلى “كراهية المسلمين الظالمة لجميع الأجانب”
لقد اعتادت أوروبا منذ زمن طويل أن تبسّط بهذه الطريقة كل ما يحدث في الشرق الأوسط, وأن تنظر إلى تاريخه الحاضر بمنظار المصلحة الغربية وحدها, وفي حين أن الرأي العام في الغرب كله “خارج بريطانيا” قد أظهر كثيرا من العطف على نضال أيرلندا في سبيل الاستقلال أو “خارج روسيا وألمانيا”على حلم بولندا بالبعث الوطني, فإنه لم يبد أبدا مثل هذا العطف على المطامح المماثلة عند المسلمين. وحجة الغرب الدائمة هي تفكك الشرق الأوسط السياسي وتأخره الاقتصادي, كما أن كل تدخل غربي فعال إنما يوصف دائما, تصنّعاً ورياءً من قبل أصحابه, بأنه لا يهدف إلى مجرد حماية المصالح الغربية “المشروعة” فحسب, بل إلى تحقيق التقدم والرقي للسكان المحليين أنفسهم.
والغربيون المعنيون بشؤون الشرق الأوسط, إذ ينسون أن كل تدخل مباشر من الخارج, حتى ولو كان تدخلا خيّرا, لا يمكن إلا أن يعوق تقدم أيما أمة من الأمم وتطورها, كانوا ولا يزالون أهلاً لانطلاء هذه المزاعم عليهم, إنهم لا يرون إلا الخطوط الحديدية الجديدة تبنيها الدول المستعمرة, ولا يرون نسيج البلد الاجتماعي كيف يفنونه ويتلفونه. إنهم يحصون عدد الكيلوات الكهربائية الجديدة, ولكنهم لا يعدون الصفعات التي يكيلونها لكرامة الشعب.
إن أولئك الناس أنفسهم, الذين ما كانوا ليقبلوا “بعثة التمدين” الإمبراطورية النمساوية كعذر شرعي لتدخل النمسا الإمبراطورية في شؤون البلقان , يقبلون اليوم, بتسامح وإغضاء, زعماً مماثلاً للإنكليز في مصر, أو الروسيين في آسيا الوسطى, أو الفرنسيين في مراكش, أو الإيطاليين في ليبيا, ولا يخطر في بالهم مطلقاً أن كثيراً من العلل الاجتماعية والاقتصادية التي يشكو منها الشرق الأوسط هي نتيجة مباشرة لذلك “الاهتمام” الغربي بالذات, وأن التدخل الغربي بالإضافة إلى ذلك, يسعى إلى أن يخلّد وأن يوسّع التفكك الداخلي القائم الآن في الشرق الأوسط,وإلى أن يجعل من المستحيل على شعوبه أن تستفيق وتعود إلى رشدها.
لقد بدأت أدرك هذا, أولما بدأت , في فلسطين عام 1922م, عندما لاحظت الدور الملتبس المزدوج الذي كانت الإدارة البريطانية تلعبه في فيما يتعلق بالنزاع بين العرب والصهاينة, واتضح لي وضوحا تاما في عام 1923م عندما أتيت بعد أن تجولت في أنحاء فلسطين كلها, إلى مصر التي كانت وقتئذ في ثورة ضد “الحماية” البريطانية. كانت القنابل كثيرا ما تلقى في الأماكن العامة التي يرتادها الجنود البريطانيون, فتجيب عنها السلطات بمختلف التدابير القمعية, بالأحكام العرفية والاعتقالات السياسية وإبعاد القادة والزعماء وتعطيل الصحف. ولكن أياً من هذه التدابير, مهما كان قاسياً, لم يستطع أن يخنق رغبة الشعب في الحرية. وسرى في الأمة المصرية بأكملها ما يشبه موجة من النشيج العاطفي الحاد: لا نشيج اليأس, بل نشيج الحمية والحماسة لدى اكتشافها جذور قوتها الكامنة.
والباشوات الأغنياء, أصحاب الأراضي الواسعة, هم وحدهم الذين كانوا يظهرون الود للحكم البريطاني. أما الآخرون الذين لا يحصيهم عد ولا حصر بما فيهم الفلاحون البؤساء, الذين كان الفدان الواحد من الأرض يبدو ملكا عظيما لعائلة بأكملها عندهم, فقد آزروا حركة التحرر. وقد كنت تسمع باعة الصحف المتجولين يصرخون فيالشوارع: “القبض على جميع زعماء الوفد بأمر الحاكم العسكري” – ولكنك في اليوم التالي تسمع بأن زعماء جددا قد حلوا محلهم, فالثغرات كانت تُملأ كرة بعد أخرى, وكان الظمأ إلى الحرية يشتد والكره ينمو ويزداد, ولم يكن لهذا في نظر الغرب من تفسير سوى كلمة واحدة: “كره الأجانب”)( ).
ويلحظ الأستاذ أبو الحسن الندوي دقة استشراف محمد أسد لما سوف يحدث في الجزيرة العربية, ويعقّب على قول محمد أسد عند تساؤله إلى متى يستطع عرب الجزيرة أن يحتفظوا بتماسكهم الروحي في وجه الخطر الذي يطبق عليهم بصورة لا تعرف الرحمة أو اللين فيقول الأستاذ الندوي:
(نعم لم تطل هذه الفترة فلم تلبث هذه البلاد المقدسة أن غزتها الحضارة الغربية وتدفق فيها سيل المصنوعات الحديثة والمستوردات الغربية. وأكثر من أسباب الترف ومن “الكماليات”, فشحنت الأسواق, وملأت البيوت, وقضت على التقشف في الحياة وصفات الفتوة والفروسية التي عرف بها العرب من قديم الزمان, وكانت من أسباب قوتهم وانتصارهم, وظهر اتصال الجزيرة بالغرب عن طريق الحضارة الثقافية والسياسة وعن طريق البترول, وكان هذا الاتصال وهذا الاقتباس من الغرب في مجال الحضارة والتجارة والثقافة عن ارتجال وتهور, ومن غير تفكير هادئ وتصميم سابق, فأصبح هذا الاستسلام, الذي تخوف منه الأستاذ محمد أسد أمرا واقعا, وأصبحت الجذور الروحية – فضلا عن الأشكال والأنظمة التقليدية – مهددة.
ويشعر الأوروبيون بذلك, ويتعجبون من هذا التحول, والتطور الجذري وانتشار الاختراعات الغربية في صحاري جزيرة العرب الوادعة الصامتة الهادئة, ووسائل الراحة والطمأنينة, ووفرة وسائل العيش والترف والبذخ, وارتفاع مستوى الحياة, وتعقّد الحياة العملية الساذجة البسيطة من قرون. يقول مؤلف أمريكي Don Leretz في كتابه “”The Middle East to– day: “الشرق الأوسط اليوم”.
((وقد ضعفت وتضاءلت المؤثرات التقليدية بثورة الزيت (وساهمته عوامل القوى الغربية) بعد الحرب العالمية الثانية, ويكاد ينقرض التراث الحضاري القديم المشترك الذي كان يربط الطبقات والأوساط المختلفة المتنوعة, لأن أفراد أسر “الشيوخ” الشريفة النبيلة الذين أثروا بفضل الزيت والبترول بدأوا يخضعون للمخترعات الغربية والطرق الغربية الحديثة, والتقاليد والعادات, والذوق الغربي, وأنشأ ذلك في المحيطات والطبقات السفلى اضطرابات وقلقا, لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا تلك الحياة المترفة الفخمة, والتفت قبائل البدو حول المدن تاركين رعي الحيوانات واقتناءها مثلا, وأنهم يوماً فيوماً يعطفون على الطبقة القلقة السفلى العامة الدهماء التي تسكن في هذه المدن ويناصرونها))( )
ويقول الباحث الأمريكي في موضع آخر:((…ولم تعد الأسرة السعودية حاكمة في الصحراء وشيخا وهابيا فحسب كما كانت في القديم, بل إنهم يعيشون عيشة ملوكية شرقية بكل نوع من أنواع الراحة والعيش الرغيد الهنيء, واشترى عشرات الأنجال الأمراء سيارات ثمينة, وبنوا قصورا عالية شامخة تتحلى بوسائل الراحة والعيش الحديثة كمكيفات للهواء وحوض ومسابح جديدة للاستحمام والغسل))( )
ويزيد الكاتب الأمريكي فيقول:(( وقد تضاءل ذلك الحماس الذي دافعت به القبائل الوهابية عن العقائد والأسس الأساسية للإسلام, وانحت تلك الدعوة القوية إلى البساطة والتقشف, ولا ترتفع الآن أصوات التهديد والاحتجاج ضد وسائل الترف والبذخ الأجنبية, وهي لم تُقبل اليوم فحسب, بل كل واحد من أعضاء المجتمع وطبقاته يتنافس في إحرازها والظفر بها, والقبائل التي كانت تقطن في الصحراء وتعيش عيشة ساذجة وحياة خشنة على غرار الحياة الوهابية قد هجرتها وأقامت حول منابع البترول وآبار الزيت, واعتادوا بعد التحول إلى هذه الأمكنة تلك الأشياء الغربية التي اخترعت حديثا, يشترونها بالمرتبات الضخمة التي يتقاضونها من شركة “آرامكو”( ).))
وبعد هذا الاستشهاد الذي ساقه الأستاذ الندوي يكمل كلامه قائلاً:(…فلا شك أن جزيرة العرب لم تكن تقع فريسة الغرب إلى هذا الحد لو قام قادة البلاد بمحاولة جدية لاكتفائها الذاتي والتخطيط والمشاريع وبذلوا لها مجهودات مخلصة نزيهة لترقيتها وتدعيمها وتنظيمها على خطط محكمة واضحة, وتناولوا الحضارة بنقد جريء وتفكير أصيل, وعملوا بالمبدأ الإسلامي القديم “خذ ما صفا ودفع ما كدر”, لو كان ذلك لما تدفقت كسيل جارف عارم على مركز الإسلام, ولم تكن من نصيب هذه البلاد القشور الظاهرة والمظاهر الخلابة الجوفاء فحسب)( )
وبطبيعة الحال ليس المقصود من القول الإدانة, بل تشخيص أثر الصدمة التي أوجدتها القوة المثخنة في كل البلدان الإسلامية, بل إن بعضها أسوأ حالا مما وصفه محمد أسد أو الندوي, وعندما نقول القوة المثخنة فإن تلك هي الحقيقة المتجليّة في الاستخراب القديم والحديث, والإثخان هو الغلبة التي تترك المغلوب كالشيء المثخن وهو الثقيل الصلب الذي لا يخف للحركة, أو كالمائع الذي جمد أو قارب الجمود بحيث لا يسيل بسهولة, ويوصف به الحبل الذي كثرت عقده حتى عسر تفكيكها( )
وحال الإنسان المصاب بالصدمة هو حال المثخن, سواء أكانت صدمته مفاجئة, أو بطيئة متدرجة وخاصة عندما تأتي الصدمة من باب الغلبة؛ إذ في غالب الأحوال أن المغلوب والمقهور ماديا ينكسر نفسيا – إلا من شاء الله – فيقوده ذلك إلى تقليد غالبه والتظاهر بصفاته ليجبر شعوره بالنقص الذي يراه في نفسه ويحس به.
فإذا وصل التقليد والمحاكاة إلى مستوى العقائد والقيم فهو تقليد يدل بجلاء على شعور بالهوان واحتقار للذات الشخصية أو الذات الحضارية للأمة التي ينتمي إليها, بحيث يرى المقلد الضعيف أن ذلك القوي الذي قهره وتغلب عليه هو في رتبة أفضل منه ليس في الأمور الدنيوية بل حتى في الأمور المعنوية؛ وكذلك يحاول أن يتشبه به وخاصة في المظاهر والأشكال والظواهر والأفكار والأخلاق المضادة له والمناقضة لهويته.
وغالبا ما تكون هذه الحالة مصحوبة باضطراب وتردد في القول والعمل وهذا الاضطراب ناجم عن حالة القهر والضعف, وهو دأب المحجوج المغلوب على أمره, بحيث يصبح في معظم الأحوال لا يتردد إلا بين فاسد وأفسد منه, وباطل وأبطل منه, فقد سقط تحت حاجز الانبهار وأصبح فريسة سهلة تتهاوى قواه الحسية والمعنوية تهاوي المصروع!!
ومن قديم الزمان عُرف كيف يكون استعلاء القوي الغالب المنتصر المتمكن على المغلوب المنهزم, ولا يسلم من ذلك إلا قلة لها في إيمانها بمبادئها وقيمها ما يعصمها من ذلك, فإنّ دفع المخاطر والقوة الصادمة والغازية التي تريد الاستيلاء والغلبة والتسلط والقهر بأنواعه الناعمة والقوية؛ لا يتأتّى ذلك لمهزوم النفس مكسور الضمير, مولع بتقليد غالبه ومحاكاته, ونحن المسلمين ندرك هذا المعنى من القرآن والسنة وأحداث التاريخ القديم والحديث, ولا يمكننا إغفال حالة التأخر المادي التي تحياها المجتمعات الإسلامية, ولا إغفال حالة العداء المتلونة التي يحيكها الأعداءلهذه الأمة, ولا سيما أن اختلاف العقائد والتصورات والقيم والنظم يجعل من أمر الاصطدام بين الحضارتين المادية والإسلامية أمراً لازماً بالنسبة لسنن الله في الصراع بين الحق والباطل, وفي قيام الأمم وضعفها وزوالها, مع ذلك فإن الهزائم في الميادين التقنية أو العسكرية لم تمنع علماء المسلمين وجهابذةالأمة قواداً ومفكرين من التصدي للقوة الغازية ومقاومتها ومغالبتها في الميادين القتالية, أو نقدها وتفكيك مضامينها في الميادين الاعتقادية والأخلاقية والفكرية والفلسفية.
ولكن تبقى هناك حقيقة موجودة لها تأثيرها في مجال الصدمات, وهي تأثر المغلوب بالغالب – إلا من رحم الله وقليل ما هم – وهذا ما رصده عبقري علم الاجتماع العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة حيث قال: