مقدمة كتاب الصدمات الحضارية

مقدمة

مقدمة كتاب الصدمة الحضارية والثقافية للدكتور سعيد بن ناصر الغامدي تحدث فيها عن التغيرات والتحولات في العالم الاسلامي وما يمر به من احداث ومتغيرات .

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

فإن المتأمل في أوضاع العالم الإسلامي يجد أحوالا مختلفة إزاء ما يحدث في العالم من أحداث ومتغيرات, وما ينتجه العالم في جانب الأفكار والمذاهب،أو في جانب النظم والمناشط, أو في جانب العلوم النظرية والتطبيقية, هذه الأحوال المختلفة تتراوح آثارها بين طرفين ووسط, طرف أخذته الصدمة فاجتالته وهو في حالة اندهاش وذهول ليصبح في دائرة اغتراب أو في دوامة استلاب, وطرف جمّدته الصدمة، وأورثته عقدة أقعدته عن الإفادة المستبصرة الراشدة. وهناك من توسط – وخير الأمور أوْسَاطها – فلم يترهّل ترهل الذائبين, ولم يتجمّد جمود المتخشبين, بل انطلق من مبدأ قويم ومنهج سليم، فأدرك الفرق بين مقتضيات الحضارة وأهوائها,وثمراتها النافعة وأمراضها،ففرّق بين هذا وذاك على علم وهدى،ووفق دراسة وتمحيص وتحليل عميق،يُعرف به ما كان نافعا يؤخذ, أو ضارا يترك, بميزان علمي وقيميّ يقبله كل عاقل سلم من الشبهة أو الهوى،كما قال الشاعر:

أُعدّت الراحة الكبرى لمن تَعِبا*** وفاز بالحق من لم يَأْلُهُ طلبا

والصبح يُظلمُ في عينيك ناصعُه*** إذا سدلتَ عليك الشك والرِيَبَا

إذا رأيتَ الهوى في أمةٍ حكماً *** فاحكم هنالك أن العقل قد ذهبا([1])

لقد وصل الحال ببعض أبناء المسلمين أن أصبحوا بسبب الصدمات في نوع من الغيبوبة العقلية تمنعهم من إدراك الأمور على وجهها الصحيح؛ إلى درجة النفي القاطع لوجود شيء اسمه الغزو الفكري،في ذهول كامل عما يُرمي به العالم الإسلامي كل يوم من سهام فكرية عبر الأقنية السياسية والاقتصادية،والإعلامية والتواصلية والفنية, وغير ذلك من الوسائل. ولا شك في أن هذه مشكلة كبيرة؛ بيد أن المشكلة الأكبر هي قبول بعض أبناء وبنات المسلمين لهذا الطرح كله،وعدم التمييز في معطيات العصر بين ما كان بلسما شافيا وما كان داءً قاتلا!!

ولعل مفهوم (الصدمة الحضارية والثقافية) يفسر هذا الواقع, ويوضح مدى خطورته على أمة أُخرجت للناس لتكون هادية للخير، شاهدة بالعدل، قائمة بالحق,بحضورها الإيماني وشهودها الإيماني، وبإسهامها الثقافي والعملي لإخراج البشرية من ظلمات المادية وصحراء الفساد والانحلال.

إن الصدمات الحضارية والثقافية تنتج-في الغالب- أناسا لديهم معاناة على مستوى الهوية، واضطراب على مستوى القيم, وتورث عقدا نفسية وفكرية, بحسب قوة الصدمات واستجابةالأشخاص لها, وقد تصل الصدمة إلى تجريدهم من انتماءاتهم, بل حتى من فرديتهم – أحيانا – ليصبح الشخص مجرد مسمار صغير في صندوق مهمل في الفناء الخلفي للمصنع المادي الضخم.

وهنا تَرِدُ مجموعة من الأسئلة عن الصدمة وعن المصدومين: هل يشعرون بالصدمة؟ وما المعاناة التي يحسّونها إزاء ما صُدموا به؟ وهل الصدمة تابعة (أخلاقيا ونفسيا) لموضوع الخير والشر والحق والباطل والفضيلة والرذيلة والتحرّر والتبعيّة؟ وهل إدراك ذلك أو غيابه له أثر؟ وإن كان له أثر فما رد الفعل إزاء ذلك؟ وهل هو رد فعل عقلي إدراكي أم رد فعل عاطفي؟

كل هذه الأسئلة وغيرها من لوازم النظر في موضوع الصدمات، التي ما زالت تفعل فعلها في نفوس كثيرة. وتوصلهم إلى حافة خطيرة أحيانا.

وللفعال  لسان من تفهمه…..رآه أبلغ من قول وتعبير

وليس ببعيدٍ عن هذا المضمار دراسة الدعوات والشعارات المطروحة الآن مثل صراع الحضارات, وحوار الحضارات, والتواصل والتثاقف،والممانعة والمغالبة،والتعاقب الحضاري, والتكيّف والعصرنة ،وغير ذلك.

كما أنه من اللازم في هذا المجال معرفة المواضعات المصطلحية ومضامينها والمفاهيم المختزلة داخلها مثل: الهوية, والإبداع, والالتزام, والتحرر , والانفتاح والانغلاق, والحرية والانضباط, والاغتراب، والنقلة الحضارية، والطفرة الإعلامية, والتعصب والهيمنة, والتعايش, والتحيز،والتغريب والخصوصيات الثقافية والدينية والحضارية, والمرجعيات بأنواعها, والعالمية والعنصرية، وفلسفة الإذعان والتكيّف, وفلسفة البقاء للأقوى, والنسبية, وحركات التحرر أو التمرد أو الإرهاب, والعولمة, ونهاية التاريخ, والاحتواء، والانكماش, والاختراق, والمحافظة, وتعدد الهويات، والنهضة والتقدم والجمود، إلى آخر ما هنالك من ألفاظ ومصطلحات يضخها الإعلام ويستعملها الكتّاب, وتعجّ بها المؤلفات المعاصرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى